الأربعاء، 31 يوليو 2013

الإنسان والخواء ................. بقلم د.شهيرة عبد الهادي


شاءت الأقدار اليومية إنني كنت في محادثات  مطولة مع بعض الأقارب والأصدقاء والجيران والزملاء  حول موضوعات شتى فرضتها ظروف حياة كل منا عليه ..  لفت نظري أن كل من تحدث معي غير راضٍ عن حياته .. الكل يشكوا .. الكل يتباكى .. الكل زهقان ..الكل يريد المزيد .. مع أن كل منهم عنده من النعم الكثير التي ربما لا تكون عند غيره  ممن يشكو له .. فذكرني ذلك بموضوع كنت قد كتبته  سابقاًعن لغز النفس البشرية ..وأن  هذه النفس البشرية تُعذّب صاحبها .. يبحث عنها ..يتمناها ..يُريد أن يجدها .. وعن موضوع آخر كنت قد كتبته عن حديث بيني وبين نفسي هو " حديث الروح"  وكيف أن اللجوء إلى الله  هو  الغاية  والعلاج ..  ولفت نظري أن كل من  يتحدث معي وهو  يشكوا فإنه   في نفس الوقت يتكلم ويُردد " ولقد خلقنا الإنسان في كبد" .. ومع ذلك هو يتحدث بكل هذه الشكوى وكل ذلك التباكي ويستعذبه.. هذا جعلني أتساءل ما السبب في ذلك؟ .. أهو نقص في  درجة الإيمان بهذه الكلمات الطيبات  فعلاً لا قولاً ؟ ..  أم أن هناك أسباباً آخرى ؟ .. وحاشى لله أن تكون إنسانة ضعيفة جداً مثلي .. هي من تقوم بعملية تقييم  درجة إيمان أي  إنسان مثلها ..لا والله وإنما هو بحثي في الإنسان .. نعم أنه الإنسان إحدى مخلوقات الله سبحانه وتعالى التي فضلها على سائر المخلوقات بالعقل .. ومن باب إعمال العقل  الذي أدّعيه في بعض الأحيان .. أخذت أفكر في الإنسان .. في نفسي قبل غيري .. لأنني مثل أي إنسان .. أحياناً كثيرة ألعن حظي في هذه الدنيا  أيضاً مثلي مثلهم  تماماً .. فأنا في الأول والآخر إنسان لي عيوبي الكثيرة  ولي أخطائي الكثيرة أيضاً ولي حظوظي المتفاوتة  في هذه الحياة الدنيا .. إذا اعترفنا  بمبدأ الحظ فيها  .. لي روح وجسد مثلي مثلهم تماماً ..  إنسان  يتمنى أن تسموا روحه على جسده  وأن يجد نفسه وأن يجد سكينته ويحددها ..  فيا ترى  هل طبيعة  هذه العلاقة  بين  احتياجات كل من الروح والجسد من متغيرات  الحياة الدنيا  القاسية  العطاء والأخذ هي من  كونت   مثل  هذه الحالات عندهم وعندي ثم عندي وعندهم ؟.. أم أنه الطمع وعدم القناعة وعدم الرضا بالمقسوم  .. لما كل ذلك .. ونحن نعلم .. أنه لا حقيقة مطلقة في هذا الكون يعلمها الإنسان إلا الموت .. وإن وجدت حقيقة فهي حقيقة نسبية  في هذه الدنيا ..كما   أنه لا يوجد من يحتكرها  أو يمتلكها..  نعم نحن بني الإنسان .. نأكل ونأكل ولا نشبع ونطلب المزيد .. نحن نشرب ونشرب ولا يرتوي الظمأ لدينا  ونطلب المزيد .. نحن نُحب ونطلب الحب ونُعايش الحُب  ..وسبحان الله  نعود فـ نكره .. ثم نعود  ونعتب على الحُب ونطلب المزيد من الحُب .. نحن نكره ونكره .. وسبحان الله نعتب على  الكره كما لوأنه لم يكن من صنع أيدينا ونعود لنطلب الحُب ممن أخذ نفس الحق في أن يكرهنا  .. نحن نبدأ بقطع صلة الرحم ثم نعتب على من يقطعون معنا تلك الصلة .. نعم الإنسان لايشبع أبداً .. إنه الطمع .. طمع الشهوات .. الجسدية والنفسية ..المادية منها وغير المادية .. الحلال منها وغير الحلال .. إنه طمع الإنسان .. كلما تم إشباعه في ناحية طلب المزيد .. ثم يطلب  الإشباع في باقي النواحي ..ثم يطلب المزيد في هذه  أيضاً .. يا ترى هل هذا نتيجة  خواء بصفة عامة أو أنه نتيجة خواء في ناحية معينة من نواحي الشخصية الإنسانية .. هل هذا نتيجة خواء القلب  تلك المضغة  التي إن صلحت صلح  الجسد كله ..أم أنه خواء الجسد .. أم أنه خواء النفس  والروح ..أم أنه خواء الفؤاد .. أم  أنه  خواء الهدف  والإدراك للطريق  الذي يوصل لتحقيق  ذلك الهدف " أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم يمشي سوياً على صراط مستقيم " .. وجدتني ..أنا الإنسان ..أرد بإجابات على أسألتي ..أنا الإنسان.. وأقول: إنه الخواء  القلبي ..أنه  الخواء النفسي ..إنه الخواء العقلي ..إنه الخواء الروحي ..إنه الخواء الفؤادي .. ثم أعود لأقول لنفسي ..أنا الإنسان .. لا أريد أن أكون قاسية عليك يا نفسي .. يا نفس إنسان .. أكثر من ذلك.. سامحيني ..ثم أهدئ من  روعي وأقول  لنفسي .. أنا الإنسان .. ولا شئ  ينجينا من كل ذلك  الخواء .. إلا الرضا وقول كلمة الحق والطاعة لله والقناعة .. فقد خلق الإنسان من تراب وإلى التراب يعود .. لكن الخوف كل الخوف أن تكون الطاعات والعبادات والصلوات هي الآخرى خواء من حيث  أداء الطقوس الخاصة بها .. وعندئذِ يكون  العذاب  الدنيوي المحقق فما  بال العذاب في الآخرة .. وهنا  تحضرتي  كلمات للرائع  الدكتور مصطفى محمود  " ابن آدم لا يشبع أبداً يجوع ويجوع فيأكل الجوع ، ويشرب ويشرب ويشرب الظمأ ، أنه جوعان أبداً ، أنه كالغربال المخروم لا شئ يبقى في داخله ، بطنه مخروم ،كما أن نفسه مخرومة مفتوحة على الخواء على العدم ،ولاابد  وأن يكون هناك شئ حتى نملأ هذا الشئ  "
--------------
د.شهيرة عبد الهادي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق